أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
9
شرح مقامات الحريري
وحدّثني بها أيضا ببلدي الشيخ الفقيه الراوية أبو بكر بن مالك الفهري عن ابن جهور المذكور ، وعن الشيخ الفقيه أبي الحجاج الأبّدي القضاعيّ كلاهما عن أبي محمد الحريريّ . وحدثني بها أيضا إجازة الشيخ الفقيه المحدث أبو محمد عبد اللّه بن محمد ابن عبد اللّه الحجريّ عن القضاعيّ ، وحدثني بها أيضا الكاتب الزاهد أبو الحسن بن جبير عن الشيخ الجليل بركات بن إبراهيم بن طاهر بن بركات القرشي المعروف بالخشوعي عن الحريريّ . وحدثني بها أيضا الشيخ الفقيه الأستاذ أبو ذرّ مصعب بن محمد بن مسعود الخشنيّ بسنده ، بعد وقوفه رحمه اللّه على هذا الشرح وأمره لي بتكليمه ، وتلقيت بها جماعة من جلة الأشياخ أكثر في العدد ممن ذكرت ؛ لا يعدمني واحد منهم إفادة ضبطية أو لفظية ، ولا يفقدني زيادة هزلية أو وعظية فأخذتها أخذ متثبت ، عن واع منكّت . ثم لم أدع كتابا ألّف في شرح ألفاظها وإيضاح أغراضها ، وتبيين الإنصاف بين انفصالها واعتراضها إلا وعيته نظرا ، وتحققته معتبرا ومختبرا ، وتردّدت في تفهمه وردا وصدرا ، وعكفت على استيفائه بسيطا كان مختصرا ؛ حتى أتيت على جميع ما انتهى إليه وسعي ممن فسرها ، واستوعبت عامة فوائده الممكنة بأسرها ؛ ولم أترك في كتاب منها فائدة إلا استخرجتها ، ولا فريدة إلا استدرجتها ولا نكتة إلا علقتها ، ولا غريبة إلا استلحقتها ، ولا غادرت في موضع منها مستحسنا يشذّ عن جمعي ، ولا مستجادا ينبو عنه بصري أو سمعي . فاجتمع من ذلك حفظا وخطا أعلاق جمة ، وفوائد لم تهتم بها قبلي همّة ، ثم لم أقنع بتبيين الدواوين ، ولا اقتصرت على توقيف التصانيف ؛ حتى ليقت بها صدور الأمصار ، وعلماء هذه الأعصار ، فباحثت وناقشت ، وتأوّلت وتداولت ، وطالبت المتحفّظ بالأداء ، والمتيقظ بالإبداء ؛ حتى لم أبق في قادحة زندا إلا اقتدحته ، ولا مقفلا إلا افتتحته ، فتحصّل لي من ذلك أيضا عيون صائبة النواظر ، وفنون قلّما توجد في مخبآت الدفاتر . وأنا في خلال ذلك ألتمس مزيدا ، ولا أسأم بحثا وتقييدا ، إلى أن عثرت على شرح الفنجديهيّ للمقامات - والفنجديهيّ هو الشيخ الحافظ أبو سعد محمد بن عبد الرحمن بن محمد المسعوديّ ، من قرية فنجديهة من عمل خراسان - فرأيت في شرحه الغاية المطلوبة ، والبغية المرغوبة ، والضالة التي كانت عنيّ إلى هذا الأوان مطوية محجوبة ؛ فاستأنفت النّظر ثانيا ، وشمرت عن ساعد الجدّ لا متكاسلا ولا وانيا ، وعانيت نور المعنى في نور اللفظ فأصبحت مجتليا جانيا ، فاستوعبته أيضا أبلغ استيعاب ، وقيدت من فوائد ما لم أجد قبله في كتاب ، وأخذت منه أحاديث مسندة أوردها ، وآثارا مرفوعة قيّدها تليق بالباب الذي أوردت فيه ، وتورد مصحّحة إما لألفاظه وإما لمعانيه ، وحذفت أسانيد - وإن كان قد أوردها - تخفيفا عمن يريد المتن ويبتغيه فتم لي بهذا الغرض استيفاء مقاصده ، واستيعاب فوائده . وتركته مستلب المعاني ، مطروق المغاني ، كالروض ركدت